حيدر حب الله
544
المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي عند الإمامية (دراسة في الحديث الإمامي)
نعم لو كان الفاعل مجهولًا ، مثل قول زيد : حُدِّثنا عن عمرو ، أمكن تصوّر المجاوزة المعنويّة ؛ لأنّ الكلام المنقول عن بكر قد تجاوزه وابتعد عنه ، لكنّه لم يبلغ غاية ؛ لفرض أنّ الناقل له هو الفاعل المجهول ، ولهذا قالوا : إنّ ( يُذكر عن فلان ) تفيد الانقطاع والإرسال . وعليه ، فإنّ ( عن ) في الأسانيد تعني ( من ) ، أي النقل الصالح للابتداء والانتهاء إلى نهاية مشخّصة ولو معنويّاً ، لا مجرّد مجاوزة الموضوع لها ( انظر : محمّد رضا الجلالي ، حجيّة الحديث المعنعن ، مجلة علوم الحديث ، العدد 3 : 58 - 68 ) . ولكنّ هذا الجواب قابل للنقاش ، فإنّ غايته أنّ كلمة ( عن ) لغةً تثبت صدور الكلام من بكر ووصوله إلى زيد ، لكنّها لا تثبت الوصول المباشر له منه ، فلو وصل إلى زيد حديث من عمرو بتوسّط بكر ، لصحّ أن يقال : إنّ زيداً وصله من عمرو الحديث ، فحدّث عنه ، فالجذر اللغوي للكلمة لا يفيد الاتصال ، فهذا كما لو قلت : سافر زيد من مكّة إلى المدينة ، فهذا يعني أنّه جاوز مكّة ووصل إلى المدينة ، لكنّه لا يعني أنّه بتجاوزه لمكّة وصل إلى المدينة بلا فاصلٍ في البَيْن ، فجهة الإشكال في الحديث المعنعن لم تحلّها هذه المعالجة في تقديري . 3 - 2 - العنعنة بين الدلالة اللغوية والدلالة العرفيّة إنّ الانصراف العرفي للعنعنة هو الاتصال ، فإنّ العرف يفهم من هذه التركيبة اللفظيّة اتصال السلسلة ، وإن كانت الكلمة بحسب جذرها اللغوي تقبل عدمه ، ويشهد لما نقول أنّ المدلّسين استخدموا العنعنة - كما يقول المحدّثون - لإيهام الاتصال ، وهذا خير دليل على أنّ العنعنة قبل الانتباه إلى مشكلة التدليس فيها تفيد بحسب انصرافها وظهورها الاتصالَ ، وإلا لم يكن هناك معنى لأن يذكروا العنعنة